
ألقيت في مديرية الثقافة في حلب بتاريخ 3/3/2007 محاضرة للأستاذ عيسى فياض بعنوان(فن القدود).وفيما يلي بعض ما جاء فيها:
طالما سمعناه كثيراً في الوصلات الغنائية واستمتعنا بكلماته وألحانه العذبة ، لكن هل عرف أحدنا أنه ( قد ) ؟ هل تساءلنا ما هي ( القدود ) ؟ كيف نشأت ؟ من هم مؤلفوها ؟ لماذا تم ربطها بمدينة حلب دون غيرها ؟ تلك أسئلة سنحاول الإجابة عليها ، علنا نسلط الضوء على مسألة فنية تتعلق بتراثنا الموسيقي والأدبي على حد سواء .
لكي نتمكن من الولوج في خضم الموضوع دعونا نستعرض لمحة سريعة عن تاريخ الموسيقى العربية .
يقول بررون ( كان الغناء قبل الإسلام أكثر قليلاً " من الترنيم البسيط خاضعاً لتصرف المغني …) ويقول ابن خلدون ( ثم تغني الحداة منهم في حداء إبلهم والفتيان في قضاء خلواتهم فرجعوا الأصوات وترنموا وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء … ) إذا يعتبر المؤرخون لأن ( الحداء ) حركة سير الإبل هو أول الغناء ثم تفرع إلى جنسين ( النصب ) وهو حداء محسن و ( الركباني ) وهو غناء شعبي يعتمد كثيراً الإرتجال ، أما هنري فارمر فيقول ( كانت الموسيقى في أيام الجاهلية كما في أيامنا هذه صناعة بارزة ذات حيثية في الحياة العربية الخصوصية والعمومية والدينية ) .
في العصر الأموي حظيت الموسيقى بمكانة مرموقة وخاصة لدى بعض الخلفاء ك ( عبد الملك بن مروان وإبنه سليمان والوليد بن يزيد .. ) وتطورت نظرياً وعملياً فبرزت أولى الكتب الموسيقية ( كتاب النغم ) ليونس الكاتب ، وأخذت القصيدة الغنائية شكلاً أرقى .
في العصر العباسي دخلت الموسيقى عصرها الذهبي فتعددت المقامات والأوزان وشاع رقص السماح وأدخلت أساليب جديدة في الغناء القديم على يد ( إبراهيم بن المهدي ) عرفت فيما بعد بـ ( الإبراهيمي ) كما ظهرت أهم المؤلفات الموسيقية النظرية ككتاب ( الأغاني ) للأصفهاني وكتاب ( الموسيقى الكبير ) للفارابي ، وحدثت نقلة نوعية في الغناء العربي على يد المغني العظيم ( زرياب ) ، كما كانت ولادة فن جديد هو ( الموشحات الأندلسية ) التي برزت كقالب مستقل عن القصيدة الشعرية نصاً " ولحناً " ، وظهر المواليا أو الموال كما هو شائع في نهاية هذا العصر أي بعد نكبة البرامكة – كان سقوط بغداد على يد هولاكو 1258م .

في عصر الإنحطاط تراجعت الموسيقى كثيراً بعد فرض هيمنة الثقافة التركية وما لبثت أن تلاشت خلا بعض الأهاذيج وأغاني المناسبات والأفراح .
وفي العصر الحديث أي تقريباً من منتصف القرن الثامن عشر بدأت مرحلة النهوض الحديث للموسيقى وتجلت بوضوح لافت في كل من مصر وسوريا والعراق فازدهر قالب الموشح بشقيه الديني على يد المشايخ وأبرزهم ( الشيخ درويش الحريري والشيخ علي محمود ) والدنيوي على يد الفنانين السوريين والمصريين وأبرزهم ( الشيخ علي الدرويش – الفنان عمر البطش – الفنان كامل الخلعي ) وظهر فن المسرح الغنائي وشمخ على يد الفنان السوري ( أحمد أبو خليل القباني ) كما تطور قالب القصيدة وتسامى على يد ( الشيخ أبو العلا محمد والموسيقار رياض السنباطي ) وتم استحداث قوالب جديدة وراقية كقالبي المنولوج والديالوج الذين تم استيرادهما من الغرب
فأبدع فيهم (الموسيقار محمد القصبجي والموسيقار محمد عبد الوهاب) وكذلك قالب الدور الذي تطور من ما يشبه الأغنية الخفيفة إلى بناء فني شامخ شكل أكمل وانضج قالب موسيقي على يد كل من (محمد عثمان وداوود حسني وزكريا أحمد) ناهيك عن تألق قالب الطقطوقة الذي اشتغل عليه الجميع أما نقطة الانعطاف الهامة للمدرسة الموسيقية الحديثة فكانت للعبقرية الموسيقية (الفنان سيد درويش) الذي نحى بالموسيقى منحاً إبداعياً جديداً على صعيد النص والموضوع واللحن والتعبير فأسس لما آلت إليه الموسيقى والغناء من سمو وازدهار ورفعة تجلى في أرقى ظواهره بغناء الموسيقار (محمد عبد الوهاب) والعبقرية الغنائية الفريدة (أم كلثوم ).
من خلال هذا الاستعراض نرى أن القوالب الغنائية العربية تسلسلت زمنياً كالتالي :
قصيدة الشاعر – الأهزوجة- القصيدة – الموشح – الموال – الطقطوقة – الدور – المونولوج – الديالوج – النشيد , ونلاحظ أيضاً عدم وجود قالب غنائي يسمى (القد).
إذاً ما هو القد ؟ كيف نشأ ؟
مع ضعف السلطنة العثمانية تنامت حركات تحررية وتنويرية عديدة وازدادت وتيرة الوعي القومي وبدأت مرحلة نهضوية شاملة ع














